الشيخ السبحاني
156
بحوث في الملل والنحل
ثمّ مركز الأهواء والملل والآراء والنحل . ثانياً : قد عرفت فيما سبق أنّ زيداً الثائر من مواليد عام 67 ه ، وواصل بن عطاء من مواليد 80 ه . فهو أكبر منه بكثير . فلو صحّ أن يتتلمذ على أحد في العراق فيجب أن يتتلمذ على شيخ واصل ، الحسن البصري ، في البصرة أو يتتلمذ على شيخه في المدينة المنورة وهو أبو هاشم ابن محمد الحنفية أُستاذ واصل . وبعد ذلك كله ، فلم يكن عند واصل شيء بديع قصرت عنه يد زيد . فإنّه أخذ ما أخذ عن أبي هاشم ، كما حققناه في الجزء الثالث « 1 » من تلك الموسوعة ، فالذي شهّر واصل في الأوساط الإسلامية هو القول بالتوحيد والعدل والتركيز على كون الإنسان مختاراً ، ورد القضاء والقدر بالمعنى السالب عن الإنسان الاختيارَ والحريةَ وهو قد أخذه من أبي هاشم وهو عن أبيه ، وهو عن وصي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، فربيب البيت الهاشمي ، أعني : زيداً ، كان غنياً عن التوسل بواصل في معرفة ما كان يجده في بيته العامر بالعلم والمعرفة . وثالثاً : لم يذكر أحد من المؤرخين ولا أصحاب المقالات تتلمذ زيد على واصل قبل الشهرستاني وإنّما انفرد هو بذلك وتبعه غيره ، فلا تجد منه أثراً في فرق الشيعة للنوبختي ، ولا في مقالات الإسلاميين للأشعري ، ولا الفرق بين الفرق للبغدادي ولا لابن حزم في الفصل . وعلى ذلك فلا يركن إلى كلام تفرد به الشهرستاني البعيد عن بيئة زيد وعصره ، وقد استشهد الإمام في أوائل القرن الثاني ، وتوفي الشهرستاني عام 548 ه . هذا هو الحقّ القراح الذي لا مرية فيه ، ولا أظن بزيد ولا بإنسان دونه تربّى في أحضان البيت النبوي ، أن يتتلمذ في الأُصول والعقائد على أمثال واصل ، صنيع أبي هاشم في المدينة ، ثمّ الحسن البصري في البصرة ، والمتفردّ بآراء وعقائد لا
--> ( 1 ) . السبحاني : بحوث في الملل والنحل : 3 / 189 .