الشيخ السبحاني
95
بحوث في الملل والنحل
والمراد هو التسوية في شؤونه سبحانه جميعها أو بعضها ، وأمّا التسوية في العبادة فكانت من شؤون ذلك الاعتقاد ، فإنّ العبادة خضوع من الإنسان للمعبود ، فلا تتحقق إلّا أن يكون هناك إحساس من صميم ذاته بأن للمعبود سيطرة غيبية عليه ، يملك شؤونه في حياته ، وكان المشركون في ظل هذه العقيدة يسوّون أوثانهم برب العالمين . وبالتالي يعبدونهم . وليس المراد من التسوية هو التسوية في خصوص توجيه العبادة ، إذ لم يعهد من المشركين المتواجدين في عصر الرسول توجيه العبادة إلى اللّه ، ويؤيد ذلك : أنّ الوثنية دخلت مكة ونواحيها أوّل ما دخلت بصورة الشرك في الربوبية ، وفي ذلك يكتب ابن هشام : كان عمرو بن لحي أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان ، وعندما سألهم عما يفعلون بقوله : « ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدونها ؟ » قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ، ونستنصرها فتنصرنا . فقال لهم : أفلا تعطونني منه فأسير به إلى أرض العرب فيعبدون ؟ ! . ثمّ إنّه استصحب معه إلى مكة صنماً كبيراً باسم ( هبل ) ، ووضعه على سطح الكعبة المشرفة ودعا الناس إلى عبادتها . « 1 » فطلب المطر من هذه الأوثان يكشف عن اعتقادهم بأن لهذه الأوثان دخلًا في تدبير شؤون الكون وحياة الإنسان .
--> ( 1 ) . سيرة ابن هشام : 1 / 79 .