الشيخ السبحاني
569
بحوث في الملل والنحل
تيمية ، فلم تكن متابعة جماعة من الناس له عن إحاطة ودراية ، بل مخالفته للحكم السائد في الشام ، وإبعاده منها إلى مصر ثمّ سجنه ، صارت سبباً لاستمالة قلوب الناس إليه من دون وعي بمعتقده ، وهذا بخلاف محمّد بن عبد الوهاب ، فقد تكللت دعوته بالنجاح النسبي ، فيا ترى ما هو السبب ؟ . نجيب بكلمة واحدة ، إنّ ابن تيمية افتقد الأرضية الكفيلة بإنجاح دعوته ، لأنّه بثّها بين أوساط علمية ، كان فيهم كبار العلماء والفقهاء ، فأخمدوا ضوضاءها بالاستدلال والبرهنة ، فثاروا في وجهه ثائرة أخمدت دعوته وأبطلت كيده ، وكانت السلطة أيضاً ناصرت العلماء في مجابهتهم له ، فلم يكن لبذرة الفساد نصيب سوى الكمون في ثنايا الكتب ، أو النجاح عند مرضى القلوب . وأمّا ما يرتبط بدعوة محمّد بن عبد الوهاب فقد ساعد على إنجاحها وجود أرضية خصبة مليئة بالأُمية والجهل بمبادئ الإسلام ، مضافاً إلى ذلك مناصرة سلطة آل سعود وتحالفهم معه في تطبيق دعوته ، على أن يكون التخطيط من الشيخ ، والإنجاز من السلطة بالقوة والإغارة والفتك والتخويف . يقول الزهاوي : لمّا رأى ابن عبد الوهاب أنّ قاطبة بلاد نجد بعيدون عن عالم الحضارة ، لم يزالوا على البساطة والسذاجة في الفطرة ، وقد ساد عليهم الجهل حتّى لم تبق للعلوم العقلية عندهم مكانة ولا رواج ، وجد هنالك من قلوبهم ما هو صالح لأن تزرع فيه بذور الفساد ، ممّا كانت نفسه تنزع إليه وتمنيه به من قديم الزمان ، وهو الحصول على رئاسة عظيمة ينالها