الشيخ السبحاني
496
بحوث في الملل والنحل
فعلى هذا لا يصحّ أن يقع خبراً لقوله : « قبراً » إذ لا معنى لجعل القبر عيداً ، فإنّما يصحّ جعل موسم أو يوم مشخّص عيداً ، فهو يقع خبراً أو صفة للزمان لا للمكان ، ولو صحّ جعله صفة للمكان فإنما هو باعتبار اليوم الّذي يجتمع الناس فيه في ذلك المكان ، فالتعبير الوارد في الحديث لا يوافق الذوق العربي السليم ، فكيف يمكن نسبته إلى أشرف من نطق بالضاد ، ولو أُريد منه ما يحاول المستدل أن يثبته كان الأولى أن يقول : لا تتخذوا مولدي عيداً ، لا قبري عيداً ، أو يقول : لا تتخذوا مولدي حول قبري عيداً . وحصيلة الكلام : أنّ يوم العيد هو يوم الفرح ويوم الزينة ، ولا يمكن تطبيق هذا المعنى على القبر ، إلّا بارتكاب مجاز متكلّف فيه . وثالثاً : إنّ الرواية لم يعمل بها الصحابة حيث جعلوا بيت النبي قبوراً ، إذ دفن فيه النبي الأكرم ، وبعده أبو بكر وعمر ، فصار بيته قبوراً . وأمّا الاعتذار بأنّ للأنبياء خصوصية ليست لغيرهم وهي أنّهم يدفنون حيث يقبضون ، لا يدفع الإشكال ، إذ ليست هذه الخصوصية في غيرهم كصاحبيه « أبي بكر وعمر » فلما ذا جعل بيت النبي قبوراً . ورابعاً : إنّ الحديث يحتمل معاني مختلفة وراء ما يرتئيه المستدل . 1 - منها ما ذكره الحافظ المنذري من أنّه يحتمل أن يكون المراد به الحث على كثرة زيارة قبر النبي ، وأن لا يهمل حتّى يكون بمثابة العيد . « 1 » 2 - ومنها ما ذكره السبكي حيث قال : « ويحتمل أن يكون المراد : لا
--> ( 1 ) . شفاء السقام : 67 ، نقلًا عن زكي الدين المنذري ( أي : يزار بين المدة الطويلة كالعيد الّذي لا يكون في كل عام إلّا يوماً واحداً أو يومين ) .