الشيخ السبحاني
443
بحوث في الملل والنحل
وقال أيضاً قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم : « وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ » فأمر محمداً أن يذكر أوّلًا الاستغفار لنفسه ، ثمّ بعده يذكر الاستغفار لغيره ، وحكى عن نوح عليه السلام أنّه قال : « رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ » . « 1 » وعلى هذا فالشفاعة هي دعاء الشفيع للمذنب ، وطلب الشفاعة منه هو طلب الدعاء منه ، وقد سمي في الأحاديث : دعاء المسلم لأخيه المسلم شفاعة له ، روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس عن النبي أنّه قال : ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلًا لا يشركون باللّه إلّا شفّعهم اللّه فيه . « 2 » فلو أنّ رجلًا أوصى في حال حياته أربعين رجلًا من أصدقائه الأوفياء على أن يقوموا بالدعاء له بعد موته وفوته ، فقد طلب الشفاعة منهم . وقد أفرد البخاري في صحيحه باباً بعنوان « إذا استشفعوا إلى الإمام ليستسقي لهم لم يردهم » وأفرد باباً آخر بعنوان « إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط » . « 3 » كلّ ذلك يدلّ على أنّ الشفاعة بمعنى الدعاء إلى اللّه ، وطلبها هو طلب الدعاء .
--> ( 1 ) . مفاتيح الغيب : 8 / 220 ، سورة محمد : 19 وسورة نوح : 28 . ( 2 ) . صحيح مسلم : 3 / 54 . ( 3 ) . صحيح البخاري : 2 / 29 - أبواب الاستسقاء .