الشيخ السبحاني
430
بحوث في الملل والنحل
وفي ضوء هذه الأُمور الثلاثة تثبت إمكانية التوسل بالأرواح المقدسة ، فالأولياء والأنبياء من جانب أحياء يرزقون ، من جانب آخر ، إنّ حقيقة الإنسان هي النفس الباقية بعد الموت أيضاً ، ومن جانب ثالث ، إِنَّ الأنبياء كلّموا أرواح أُممهم الماضية . كل ذلك يدل على إمكانية الاتصال بهم ووقوعه ، وأنهم يسمعون كلامنا وسلامنا ومحاورتنا . بقي الكلام في جواز التوسل شرعاً ، حتّى يكون تعبداً مع الدليل . إنّ الذكر الحكيم يحثّ المذنبين على المجيء إلى النبي وطلب الاستغفار منه يقول : « وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً » « 1 » ، والمتبادر إلى أذهاننا في هذا الزمان اختصاص الآية بحال حياة النبي ، ولكن الصحابة فهموا منه الأعم من حال الحياة والارتحال إلى الرفيق الأعلى ، ويدل على ذلك ما نذكر : 1 - روى البيهقي عن مالك قال : أصاب الناس قحط في زمان عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول اللّه استسق اللّه لأُمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول اللّه في المنام وقال : ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم مسقون . « 2 » فالحديث يعرب عن أنّ التوسل بدعاء النبي بعد رحلته كان رائجاً ، ولو كان عملًا محرّماً أو بدعة فلما ذا توسل هذا الرجل بدعائه ؟ ولما ذا بكى
--> ( 1 ) . النساء : 64 . ( 2 ) . دلائل النبوة : 7 / 47 ، باب ما جاء في رؤية النبي في المنام .