الشيخ السبحاني

376

بحوث في الملل والنحل

يملكون كشف الضرّ عنهم ولا تحويلًا ، فدعاؤهم بالذوات أو التوسل بهم لا يقدّم ولا يؤخّر ، ولا يوصلهم ، لأنهم أخطئوا الطريق إلى اللّه . إنّ هاتين الآيتين في سورة الإسراء نزلتا في نفر من العرب كانوا يعبدون نفراً من الجن فأسلم الجنّيون ، أمّا الإنس الذين كانوا يعبدونهم فلم يشعروا بإسلامهم ، فأخبرهم اللّه بوحيه المنزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ هؤلاء الذين يزعم المشركون أنهم يقرّبونهم إلى اللّه زلفى ، يتسابقون ويتنافسون فيما بينهم بالتقرّب إلى الله تعالى ، ويرجون رحمته ويخشون عذابه ، فكيف أيّها المشركون تدعونهم لكشف الضر عنكم وتوسّطونهم ، فما الّذي تؤملون منهم وهم على أشدّ ما يكونون حاجة إلى اللّه تعالى ، فالذي لا يملك شيئاً ، لا يعطي شيئاً . « 1 » إنّ الاستدلال بهاتين الآيتين على رد التوسل الشائع بين المسلمين من عجيب الأُمور ، فإنّ التوبيخ فيهما متوجّه إلى المشركين الذين كانوا معتقدين بألوهية معبوداتهم ، وأنهم يملكون كشف الضر وتحويل السوء عن الدعاة ، واللّه سبحانه يرد عليهم بأنّ المدعوين في أشد الحاجة إلى طلب التقرب إلى اللّه سبحانه ، فكيف يمكن لهم كشف الضر عنهم ؟ وأيّة صلة بين أُولئك المشركين المعتقدين بألوهية المدعوين ، والموحّدين الذين يعتقدون بأنّه لا يملك كشف الضر إلّا اللّه ، ولكنّهم يوسّطون بينهم وبين ربّهم أحد عباد اللّه الصالحين ، الّذي له مكانة عند اللّه ، لعلّه سبحانه يجيب دعوته لأجله وحرمته ومقامه ، وليس ذلك ببدعة ، فقد أمر بتوسيط دعاء النبي في طلب

--> ( 1 ) . التوصل إلى حقيقة التوسل : 12 - 13 .