الشيخ السبحاني
366
بحوث في الملل والنحل
ولأجل ذلك كثيراً ما يردّ عليهم بعد نقل كلامهم ، فسكوت القرآن تجاه هذين القولين ونقلهما عن القوم بصورة كونه عملًا مستحسناً ، أقوى دليل على جواز العمل المذكور في الأُمّة المحمدية . قال الطبري في تفسير قوله تعالى : « فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ » : « إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين سوقها فيسمع أُناساً كثيراً يحلفون باسم عيسى بن مريم ، فزاده فرقاً ، ورأى أنّه حيران ، فقام مسنداً ظهره إلى جدار من جدران المدينة ويقول في نفسه : أمّا عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلّا قتل ، أمّا الغداة فاسمعهم ، وكل إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف ، ثمّ قال في نفسه : لعل هذه ليست بالمدينة الّتي أعرف . . . » « 1 » . وهذا يعرب عن أنّ الأكثرية الساحقة كانت موحّدة مؤمنة متديّنة بشريعة المسيح ، رغم ما كانوا على ضده قبل ثلاثمائة سنة . وقال في تفسير قوله تعالى : « فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً » فقال الذين أعثرناهم على أصحاب الكهف : ابنوا عليهم بنياناً ربهم أعلم بهم يقول : رب الفتية أعلم بشأنهم وقوله : « قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ » يقول جلّ ثناؤه : قال القوم الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف لنتخذنّ عليهم مسجداً . وقد نقل عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير : فقال المشركون نبني عليهم
--> ( 1 ) . تفسير الطبري : 15 / 219 طبع مصطفى الحلبي بمصر ، سورة الكهف الآية 19 .