الشيخ السبحاني
365
بحوث في الملل والنحل
الكهف أنّ القوم لمّا عثروا على أجسادهم الطرية في الغار اختلفوا على قولين : تذكرهما الآية التالية : « وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً » « 1 » . فالآية صريحة في أنّ القوم بعد ما عثروا عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم وتعظيمهم على قولين : 1 - البناء على قبورهم « ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً » . 2 - بناء المسجد على قبورهم « لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً » . وكلتا الطائفتين يريدان التعظيم والتكريم على اختلاف منهجهم ، والمعروف بين المفسرين أنّ القائلين بالقول الأوّل كانوا هم المشركون ، وأنّ القائلين بالقول الثاني هم الموحدون والمسلمون ، وسواء أثبت ذلك أم لا فإنّ العاثرين عليهم اختلفوا في كيفية تكريمهم وتعظيمهم ، وعلى كل تقدير فالآية حجة على جواز بناء المسجد على القبور أوّلًا ، وعلى جواز بناء المسلمين عليها ثانياً ، وذلك لأنّ القرآن يذكر القولين من دون رد وطعن ، ولو كان كل من القولين - وخصوصاً القول الثاني - على خلاف الهداية وفي جانب الضلالة ، لأشار إلى ردّه وطعنه ، وليس القرآن كتاب قصة وإنّما هو كتاب هداية ، فلو كان يذكر شيئاً من الأُمم السالفة ، فإنّما هو للعبرة والاعتبار ،
--> ( 1 ) . الكهف : 21 .