الشيخ السبحاني

228

بحوث في الملل والنحل

الثاني : إنّ النهي عن شد الرحال إلى غير هذه المساجد لا يعني تحريمه بل يعني نفي الفضيلة فيه ، وذلك لأنّ المساجد سوى الثلاثة ، لمّا كانت متساوية في الفضيلة والثواب فلا ملزم لتحمّل العبء بشد الرحال إليها ، فالمساجد الجامعة متساوية في الفضيلة في عامة البلاد ، فلا وجه لشد الرحال إلى مسجد لإقامة الصلاة فيه ، ولكنّه إذا شدّ الرحال بقصد الصلاة فيه والعبادة لربّه ، لا يعد عمله محرماً ، بل غاية الأمر لا يترتب عليه ثواب خاص . وبذلك يتبين بطلان ما ذكره ابن تيمية من الاستدلال بالأولوية بأنّه إذا حرم شد الرحال إلى غير هذه الثلاثة مع أنه من بيوت اللّه الّتي أمر فيها بالصلوات الخمس يكون شد الرحال إلى زيارة القبور حراماً بطريق أولى ، إذ ليست ساحة القبور مراكز للعبادة ، فهي أقل درجة من سائر المساجد . وجه الضعف أنّ الاستدلال مبني على أنّ التحريم تحريم مولوي تعبدي ، وأمّا على ما استظهرناه من أنّ النهي إرشادي إلى أنه لا وجه لتحمّل العبء في هذا الطريق ، لتساوي المساجد في الفضيلة والكرامة ، فلا وجه للاستدلال ، لترتب الثواب على زيارة القبور . الثالث : إنّ الحديث نص أو ظاهر في الحصر ، مع أنّه ورد في الصحيح أنّ النبي كان يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً يصلّي فيه . « 1 » فكيف يجتمع هذا العمل مع هذا الحصر ، ولسان الحديث لسان الإباء عن التخصيص ؟ فلا

--> ( 1 ) . صحيح مسلم : 4 / 127 ؛ صحيح البخاري : 2 / 176 ؛ السنن للنسائي ، المطبوع مع شرح السيوطي : 2 / 127 .