الشيخ السبحاني
213
بحوث في الملل والنحل
المفترس ، ويقابله الظهور التصديقي الجملي الاستمراري وهو الرجل الشجاع ، وهؤلاء الذين يضلون العوام يغترون بالقسم الأوّل من الظاهر ، دون الثاني . وإذا قال المحقّقون : ظواهر الكتاب والسنّة حجّة لا يصح العدول عنها ولا يجوز لأحد تأويلها ، يريدون الظهورات التصديقية الّتي تنعقد للكلام بعد الإمعان في القرائن المتصلة أو المنفصلة ، ولكن من يتبع الظواهر الحرفية فقد ضل ، وغفل عن أن كلام العرب والبلغاء والفصحاء مليء بالمجازات والكنايات . وحصيلة البحث : أنّ الجمود على الظواهر عبارة عن الجمود على ظواهرها الحرفية ، ولا شك أنّه يجر إلى الكفر أحياناً ، فمن جمد على ظاهر قوله سبحانه : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » يجب عليه أن يقول : إنّ للّه مثلًا وليس كهذا المثل شيء ، كما أنّ التأويل ضلال ، والمراد منه هو العدول عن الظواهر التصديقية الّتي تتبادر إلى أذهان أهل اللغة بعد الإمعان في سياق الكلام ، والتأمّل في نظائره في كلمات العرب . فلو استقرّ ظهور جملة في شيء بهذا الشرط ، فالعدول عنه يوجب مسخ كلام اللّه ومحو الشريعة . فعلى العالم الباحث أن يمعن النظر في الصفات الخبرية الّتي جاءت في الكتاب والسنّة ، ويتلقّاها آيات متشابهة ، ويمعن في الآيات المحكمة حتّى يزيل عنها التشابه . « ومن تتبّع براهين القرآن واستقرأ آياته العظام وجد كثيراً ممّا تشابه فيه ، ورأى كثيراً منه محكماً ، وهو ما كان من المجاز البيّن الشائع في لغة العرب ، وعلى قدر الرسوخ في العلم يكون زوال التشابه أو أكثره عن الكثير من المتشابه ، ولما كان الراسخون في