الشيخ السبحاني

182

بحوث في الملل والنحل

صندوق ، وجعل الصندوق عند وصيّه « يوشع بن نون » ، ومن هنا اكتسب هذا الصندوق أهمية كبرى لدى بني إسرائيل ، فكانوا يحملونه معهم أثناء الحروب التي تقع بينهم وبين خصومهم متبرّكين به ، ومستنزلين النصر من اللَّه عن طريقه ، وكانوا يعيشون حياة عزيزة ما دام ذلك الصندوق المبارك بين ظهرانيهم ، ولكن لمّا دبّ فيهم الضعف الديني ، وقلّ تأثير الوازع الأخلاقي في أوساطهم ، تمكّن خصومهم من هزيمتهم والتغلّب عليهم ، وتمكّنوا كذلك من نهب ذلك الصندوق المبارك . ولمّا اختار اللَّه سبحانه - بعد فترة من الزمن - طالوت ملكاً وقائداً لبني إسرائيل ، قال لهم نبيّهم : إنّ آية صدقه وكونه قائداً منصباً من قبله سبحانه هو أن يأتيكم ذلك الصندوق ، ولقد أشار الذكر الحكيم إلى ذلك بقوله سبحانه : « وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » . « 1 » والإمعان في الآية المباركة يكشف أنّ القرآن الكريم ينقل لنا على لسان نبيه ، تبرّك بني إسرائيل بذلك الصندوق ويؤكّد كذلك مدى قيمته وشرفه بحيث تحمله الملائكة ، وحينئذٍ نتساءل لو كان هذا العمل مخالفاً لأُصول التوحيد ومتعارضاً معها ، فكيف يا ترى جاز لذلك النبي أن يلقي إليهم الخبر على نحو البشرى ؟ ! !

--> ( 1 ) . البقرة : 248 .