الشيخ السبحاني
123
بحوث في الملل والنحل
فإنّ جملة : « إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ » تحكي وبوضوح تام انّ كافّة أنواع الحكم والقوانين والدساتير من شؤونه ومختصاته وحده سبحانه وتعالى ، وبما أنّ شأن الحكم والتقنين مختص به أردفت الآية الجملة المذكورة بالأمر بعبادته وحده والخضوع له لا لغيره « أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ » . 2 - وقوله تعالى : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ » . « 1 » إنّ الآية المباركة تشير وبوضوح تام إلى أنّ أهل الكتاب قد تجاوزوا الخط المرسوم لهم ، واقتحموا دائرة الحقّ الإلهي في الانفراد في التشريع والتقنين ، فمنحوا أحبارهم ورهبانهم هذا الحق ، وانّهم بدلًا من الرجوع إلى الكتاب السماوي وأخذ الأحكام منه رجعوا في ذلك إلى أحبارهم ورهبانهم ، ومن الواضح أنّ الرهبان والأحبار قد يحلّلون - ولأسباب ما - ما حرّم اللَّه ويحرّمون ما أحلّ اللَّه . من هنا اعتبر القرآن الكريم أهل الكتاب غير موحّدين في التشريع ومنحرفين عن خط التوحيد . روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم - وقد كان نصرانياً - قال : أتيت رسول اللَّه وفي عنقي صليب من ذهب ، فقال : يا عدي « اطرح هذا الربق من عنقك » قال : فطرحته ، ثمّ انتهيت إليه وهو يقرأ هذه الآية : « اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً » . حتى فرغ منها . فقلت : إنّا لسنا
--> ( 1 ) . التوبة : 31 .