الشيخ السبحاني
110
بحوث في الملل والنحل
4 - إنّ اللّه هو الكاتب لأعمال عباده ، إذ يقول : « وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ » « 1 » في حين أنّ القرآن يعتبر الملائكة كتبة أعمال العباد ، إذ يقول : « بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ » « 2 » . 5 - قد تضافرت الآيات على أنّه سبحانه هو المدبّر ، يقول : « وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ » « 3 » ، بينما يصرّح القرآن بمدبرية غيره ويقول : « فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً » « 4 » . هذه نماذج من الآيات ممّا نسب الفعل إلى اللّه سبحانه ، وفي الوقت نفسه نسب إلى عباده ، وما المصحّح إلّا ما ذكرنا ، وهو أنّ المنسوب إليه سبحانه غير المنسوب إلى العباد ، وأنّ قيامه سبحانه بالأفعال على وجه الاستقلال من دون أن يعتمد على سبب عال أو قوة عليا ، وأمّا قيام غيره فإنّما هو بالسببية والرابطية والمأمورية . وفي ضوء هذا تقدر على تمييز فعله سبحانه عن فعل غيره ، فليس شفاء المريض وقضاء الدين وردّ الضالة على وجه الإطلاق ، من فعله سبحانه ، ولا من فعل عباده ، بل لكلّ سمة وعلامة ، بها يتميز عن غيره . والحد الفاصل بين فعله سبحانه وفعل غيره هو كون الفاعل مستقلًا في الايجاد ، ومالكاً لفعله ، وكونه غير مستقل في الفعل وغير مالك له ، والأوّل ( أي الّذي يصدر عن الفاعل على وجه الاستقلال ) لا يطلب إلّا منه ، والثاني يطلب من غيره .
--> ( 1 ) . النساء : 81 . ( 2 ) . الزخرف : 80 . ( 3 ) . يونس : 31 . ( 4 ) . النازعات : 5 .