الشيخ السبحاني

11

بحوث في الملل والنحل

وأُسر من أُسر منهم ؛ فبينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم على مائهم ، نشب النزاع بين رجل من الأنصار ورجل من المهاجرين ، فصرخ الأنصاري فقال : يا معشر الأنصار ، وصرخ الآخر وقال : يا معشر المهاجرين ، فلمّا سمعها النبي ، قال : دعوها فإنّها منتنة . « 1 » - يعني إنّها كلمة خبيثة ، لأنّها من دعوى الجاهلية ، واللّه سبحانه جعل المؤمنين إخوة وصيّرهم حزباً واحداً ، فينبغي أن تكون الدعوة في كل مكان وزمان لصالح الإسلام والمسلمين عامة ، لا لصالح قوم ضدّ الآخرين ، فمن دعا في الإسلام بدعوى الجاهلية يُعزّر . فالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يصف كل دعوى تشقّ عصا المسلمين وتمزّق وحدتهم بأنّها دعوى منتنة ، فكيف لا يكون كذلك وهي توجب انهدام الدعامة للكيان الإسلامي ، وبالتالي انقضاض صرح الإسلام . 2 - نزل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم دار هجرته والتفّت حوله القبيلتان : الأوس والخزرج ، فمرّ شأْس بن قيس - الّذي كان شيخاً عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد لهم - على نفر من أصحاب رسول اللّه من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه ، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم ، وصلاح ذات بينهم على الإسلام ، بعد الّذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية . فقال : قد اجتمع ملء بني غيلة بهذه البلاد ، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم من قرار ، فأمر فتىً شاباً من اليهود كان معهم فقال : اعمد إليهم فاجلس معهم ، ثمّ اذكر يوم بعاث ، يوم اقتتلت فيه الأوس

--> ( 1 ) . السيرة النبويّة : 3 / 303 ، غزوة بني المصطلق . ولاحظ التعليقة للسهيلي ، وراجع مجمع البيان : 5 / 293 وغيره من التفاسير .