الشيخ السبحاني

101

بحوث في الملل والنحل

وجهين : فلو تصوّر أنّ القائم بعمل على وفق الأُصول الطبيعية ، إنّما يقوم به من عند نفسه وباقتدار مستقل من دون اعتماد على إقداره سبحانه واستئذان منه ، فقد اعتقد بألوهيته وطلب فعل الإله من غيره ، وأمّا إذا اعتقد أنّ الخادم يحضر الماء بقدرة مكتسبة واستئذان منه فهو نفس التوحيد . ومثله الكلام في الأسباب غير الطبيعية ، فلا شك أنّ أُمّة المسيح كانوا يعتقدون في حقه - بعد ما رأوا الآيات والمعجزات منه - أنّ له سلطة غيبية ، وكانوا يسألونه إبراء مرضاهم وإحياء موتاهم ، أفهل يتصوّر أنّ سؤالهم هذا كان شركاً ؟ وأنّ المسيح كان مجيباً لدعوتهم الشركية ؟ ! فمن ذا الّذي يسمع قول المسيح بين بني إسرائيل : « أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ » « 1 » . فَمَنْ ذا الّذي يسمع كلامه هذا ولا يعتقد بسلطته الغيبية ؟ ولا يسأله كشف الكرب والملمات بإذنه سبحانه ؟ أفيصح للمودودي أن يتّهم أُمّة المسيح وفيهم الحواريون الذين أُنزلت عليهم مائدة من السماء ومدحهم سبحانه في الذكر الحكيم « 2 » بالشرك ؟ ! هذا هو الذكر الحكيم ينقل عن السامري قوله : « بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي » « 3 » .

--> ( 1 ) . آل عمران : 49 . ( 2 ) . المائدة : 115 ؛ الصف : 14 . ( 3 ) . طه : 96 .