الشيخ السبحاني

67

بحوث في الملل والنحل

وأهل الدقّة من أهل السنّة حاولوا الجمع بين حصر الخلق في اللَّه سبحانه ، وصحّة تكليف العباد ، فقالوا : إنّ اللَّه هو الخالق ، والعبد هو الكاسب . والتكليف ، والأمر ، والنهي ، والثواب ، والعقاب ، بالملاك الثاني دون الأوّل ، وقد أخذوا مصطلح الكسب من الذكر الحكيم . قال سبحانه « لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ » « 1 » لكنّهم اختلفوا في تفسير حقيقة الكسب إلى حدٍّ صارت النظرية إحدى الألغاز إلّا ما نقل عن الماتريدي وإمام الحرمين من الأشاعرة ، فقد استطاعوا توضيحها إلى حدٍّ معقول ومقبول . ولا يعلم مدى الاختلاف بين المدرستين في تفسير الكسب إلّا بنقل نصوصهما في هذا المجال . معنى الكسب عند الأشعري : قال الفاضل القوشجي وهو من أئمّة الأشاعرة : « المراد بكسبه إيّاه ، مقارنته لقدرته وإرادته ، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له » « 2 » . وحاصله أنّه ليس للعبد دور في خلق الفعل وإيجاده ، غير كونه ظرفاً ومحلا لخلق اللَّه وإيجاده ، غاية الأمر إنّ شرط إيجاده سبحانه هو قصد العبد وعزمه ، فإذا قصد وعزم وحدثت فيه القدرة غير المؤثِّرة ، خلق اللَّه الفعل وأوجده ، من دون أن يكون لقدرة العبد دور

--> ( 1 ) . البقرة : 286 . ( 2 ) . شرح التجريد للقوشجي : 444 - 445 .