الشيخ السبحاني

636

بحوث في الملل والنحل

الخلافة ، فعند ذلك صارت السلطة الحكوميّة سيفاً مصلتاً فوق رقابهم وشبحاً مرعباً يلاحقهم بعد ما كانت أداة طيّعة لهم ، والناس على دين ملوكهم وسلاطينهم ، ثمّ اشتدّ غضب الخلفاء عليهم على مرِّ الزمن ، فصار ذلك سبباً لذبح المعتزلة تحت كلّ حجر ومدر ، وقد استغلّ أهل الحديث والحنابلة غضب السلطة على المعتزلة وقادوهم إلى الحدّ الّذي عرفت من النكاية . 5 - إنّ المعتزلة قد اشتهروا بالقول بحريّة الفرد في أعماله وكانوا يدافعون عن حريّة الإنسان واحترام العقل ، وهذا لا يجتمع مع ما ارتكبوه في أيّام الخلفاء الثلاث ، فناقضوا بذلك أنفسهم وعارضوا تعاليمهم وأظهروا أنّهم لا يقدّرون العقل حقّ قدره ، فإذا كانت الحريّة تفرض على المعتزلة أن يدينوا بخلق القرآن ، فهذا بنفسه يفرض عليهم أن لا يسوقوا الناس بالجبر والحبس والضرب على الاعتراف بخلق القرآن ، وغاية ما كان على المعتزلة تشكيل أندية الوعظ والإرشاد والجدال الصحيح حتّى يتمّوا الحجّة على متحرّي الحقيقة أخذاً بقوله سبحانه : « ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » « 1 » . وأين هذا من الإصرار على تبديل السرائر والحكومة على الضمائر وفرض العقيدة بالجبر والضرب ؟ « إنّ الحركة الفلسفيّة العلميّة الّتي بدأت

--> ( 1 ) . النحل : 125 .