الشيخ السبحاني
631
بحوث في الملل والنحل
ويقول في حوادث سنة ( 465 ه ) : « وفي يوم الخميس حادي عشر المحرّم حضر إلى الديوان أبو الوفاء عليّ بن محمّد بن عقيل العقيلي الحنبلي وقد كتب على نفسه كتاباً يتضمّن توبته من الاعتزال » . « 1 » وبذلك حقّق التّاريخ السنّة المعروفة « كما تدين تدان » وأخذت الطائفتان ، الحنابلة والمعتزلة يتصارعان ويقتتلان قتال موت أو حياة ، فصار الانتصار لأصحاب الحديث ، والهلاك والاضطهاد للمعتزلة ، فلم يظهر بعد هذه القرون إلّا آحاد ينجمون في الفينة بعد الفينة والفترة بعد الفترة لا تجد لهم ذكراً بارزاً في ثنايا التاريخ . إنّ تكامل الأُمم وبلوغها الذّروة من العظمة ، ثمّ انحدارها إلى هاوية الضعف والانحلال سنّة إلهيّة قضى بها على جميع الأُمم ، فلم يكن ارتقاء المعتزلة بلا سبب ، كما أنّه لم يكن ضعفهم بلا علّة . فيجب على الباحث المتأمِّل في ثنايا القضايا التّاريخية تحليل هذه الظاهرة تحليلًا علميّاً يوافق الأُصول المسلّمة في تحليل هذه المباحث . أقول : إنّ المعتزلة لم يسقطوا سياسيّاً فحسب ، بل سقطوا فكريّاً ، فلا تسمع بعد أبي هاشم الجبائي ( المتوفّى 321 ه ) في القرن الرابع ، وبعد القاضي عبد الجبّار ( المتوفّى 415 ه ) في القرن الخامس ، مفكّراً قويّاً في المسائل الكلاميّة ، يوازي المتقدّمين منهم مثل أبي هذيل العلّاف ، والنّظام . بل أكثر ما قام به المتأخّرون بعد القاضي لا يتجاوز عن تبيين المذهب
--> ( 1 ) . المصدر نفسه : 105 .