الشيخ السبحاني
62
بحوث في الملل والنحل
بنيانهم ، وظهرت آثار قدرته وقهره فيهم - إلى أن قال : - وكذا الاستواء ليس من صفات الأجسام فإنّ الاستواء هو الاستيلاء على الشيء والقهر عليه . قال اللَّه تعالى : « وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً » « 1 » معناه - واللَّه أعلم - تقوّى حاله بتمام البِنية . واستوى أمر فلان : إذا تناهى ، ومنه المستوي على الكرسي وهو القاعد عليه ، عبارة عن الاستيلاء . فإنّه ( لا ) يقال : استوى على الكرسي ما لم يجلس مستقرّاً عليه ، فالمستقرّ على العرش مستوٍ ، فكان معنى قوله : « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ » « 2 » - واللَّه أعلم - أي استوى عليه بعد خلقه ، واللَّه تعالى مستول على جميع العالم ، إلّا أنّه خصّ العرش بالذكر لأنّه أعظم الأشياء وأشرفها ، ثمّ ذكر تفسير سائر الصفات الخبرية من اليد والعين « 3 » . وكلّ من كلامي الأُستاذ والتلميذ يعربان بوضوح عن اختلاف منهجهما مع منهج الامام الأشعري ، فهو يثبت جميع هذه الصِّفات الخبريّة الظاهرة من كونه سبحانه جسماً وذا أعضاء ، ولا يتحرّج من الإثبات ، غاية الأمر يتدرّع بما عرفت ، وهذا بخلاف الداعي الآخر وتلاميذ منهجه ، فإنّهم لا يخرجون من خطّ التنزيه ، لكن بين مفوِّض غير قاطع بمراد الآية ، أو مفسِّر لها مثل تفسير العدليّة الّذين سمّتهم الأشاعرة بالمؤوِّلة . ثمّ إنّ الشيخ البزدوي أفاض الكلام في نقد ما استدلّ به الأشعري من
--> ( 1 ) . القصص : 14 . ( 2 ) . الفرقان : 59 . ( 3 ) . أُصول الدين : 25 - 28 .