الشيخ السبحاني

612

بحوث في الملل والنحل

أمثالهم لاستحلّ ذلك ، فكيف بهم وقد جمعوا مع الأرباء شركاً وصاروا للنصارى مثلًا » . ثمّ وقّع في الوقيعة في كلّ واحد من الممتنعين ما يشمئزّ القلم من نقله ، فلو كانت تلك النّسب على وجهها فويل لهم مما كسبت أيديهم من عظائم المحرّمات وما كسبت قلوبهم من الشِّرك . « 1 » فلمّا وصل كتاب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم دعا القوم وقرأ عليهم كتاب المأمون ، فأجاب القوم الممتنعون كلّهم ، واعترفوا بأنّ القرآن مخلوق إلّا أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل ، وسجادة ، والقواريري ، ومحمّد بن نوح المضروب ، فأمر بهم إسحاق بن إبراهيم فشدّوا في الحديد . فلمّا كان من الغد دعا بهم جميعاً يساقون في الحديد فأعاد عليهم المحنة ، فأجابه سجادة إلى أنّ القرآن مخلوق ، فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله ، وأصرّ الآخرون على قولهم . فلمّا كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول ، فأجاب القواريري إلى أنّ القرآن مخلوق ، فأمر بإطلاق قيده وخلّى سبيله ، وأصرّ أحمد بن حنبل ومحمّد بن نوح على قولهما ولم يرجعا ، فشدّا جميعاً في الحديد ووجِّها إلى طرسوس وكتب معهما كتاباً بإشخاصهما . ثمّ لمّا اعترض على الراجعين من عقيدتهم برّروا عملهم بعمل عمّار بن ياسر حيث أُكره على الشِّرك وقلبه مطمئنّ بالإيمان « 2 » ، وقد كُتب

--> ( 1 ) . تاريخ الطبري : 7 / 203 - 204 . ( 2 ) . إشارة إلى قوله سبحانه « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ » ( النحل : 106 ) .