الشيخ السبحاني
553
بحوث في الملل والنحل
وأمّا المعتزلة ، فلمّا كان المختار عندهم في المسألة السابقة خلود الفاسق في العذاب ، خصّوا الشّفاعة بالتّائبين من المؤمنين ، وصار أثرها عندهم ترفيع المقام لا الانقاذ من العذاب ، أو الخروج منه . وهذه هي النقطة الحسّاسة في الأبحاث الكلاميّة الّتي لها صلة بكتاب اللَّه وسنّته . فالمعتزلة في المقام أوّلوا صريح القرآن والروايات وقالوا : إنّ شفاعة الفسّاق الّذين ماتوا على الفسوق ولم يتوبوا ، يتنزّل منزلة الشفاعة لمن قتل ولد الغير وترصّد للآخر حتّى يقتله ؛ ، فكما أنّ ذلك يقبح فكذلك هاهنا . « 1 » والخطأ في تفسير آيات الشفاعة ، ورفض الروايات المتواترة ، حدث من الخطأ في المسألة السابقة . وهكذا شيمة الخطأ وخاصّته فلا يقف عند حد ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ألا وإنّ الخطايا خيل شمس ، حمل عليها أهلها ، وخلعت لجمها » . « 2 » وما ذكره القاضي غفلة عن شروط الشفاعة ، المحرّرة في محلِّها ، فإنّ بعض الذنوب الكبيرة ربّما تقطع العلائق الإيمانيّة باللَّه سبحانه ، كما تقطع الأواصر الروحيّة مع النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، فأمثال هؤلاء العصاة لا تشملهم الشفاعة ، وقد وردت الروايات الإسلاميّة حول شروط الشفاعة ، وفي حرمان طوائف من الناس منها .
--> ( 1 ) . شرح الأُصول الخمسة : 688 . ( 2 ) . نهج البلاغة : الخطبة 16 .