الشيخ السبحاني

54

بحوث في الملل والنحل

ذلك من الآيات الّتي تنفي العبث عن فعله ، وتصرّح باقترانها بالحكمة والغرض . وأهل الحديث وبعدهم الأشاعرة الّذين اشتهروا بالتعبّد بظواهر النصوص تعبّداً حرفيّاً غير مفوّضين معانيها إلى اللَّه سبحانه ولا مؤوّليها ، لا مناص لهم إلّا تناسي الآيات الماضية ، أو تأويلها ، وهم يفرّون منه ، وينسبونه إلى مخالفيهم . عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة : ومن الخطأ الواضح ، عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة ، وتصوير أنّ الطائفتين يقولون بأنّ أفعال اللَّه سبحانه غير معلّلة بالأغراض ، وهو خطأ محض . كيف وهذا صدر المتألهين يخطِّئ الأشاعرة ويقول : « إنّ من المعطِّلة قوماً جعلوا فعل اللَّه تعالى خالياً عن الحكمة والمصلحة ، مع أنّك قد علمت أنّ للطبيعة غايات » . « 1 » وقال أيضاً : « إنّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقاً ، بل إنّما نفوا عن فعله المطلق ( إذا لوحظ الوجود الإمكاني جملة واحدة ) وفي فعله الأوّل غرضاً زائداً على ذاته تعالى ، وأمّا ثواني الأفعال والأفعال المخصوصة ، والمقيّدة ، فأثبتوا لكلّ منها غاية مخصوصة . كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات ومنافعها كما يعلم من

--> ( 1 ) . الأسفار : 2 / 59 .