الشيخ السبحاني
523
بحوث في الملل والنحل
الشيء إذا لم يكن مخلوقاً يكون وجوده لذاته ، وما كان كذلك لا يكون مسبوقاً بالعدم فيكون قديماً . أضف إلى ذلك أنّ ابن الجوزي صرّح بأنّ الأئمّة المعتمد عليهم قالوا : إنّ القرآن كلام اللَّه قديم . « 1 » فكما أنّ هذه المحاولة فاشلة ، فهكذا محاولته الثانية الّتي لا يليق بها أن تسطر . وهي القول بقدم حروف المعجم الّتي هي موادّ كلمة اللَّه ، حيث قال : « وما تكلّم اللَّه به فهو قائم به ، ليس مخلوقاً منفصلًا عنه ، فلا تكون الحروف التي هي مباني أسماء اللَّه سبحانه وكتبه المنزلة مخلوقة ، فقول القائل بأنّ الحروف قديمة ، أو حروف المعجم قديمة ، فإن أراد جنسها فهذا صحيح . وإن أراد الحرف المعيّن فقد أخطأ » . « 2 » إنّ القول بقدم موادِّ القرآن - أعني : حروف المعجم - أشبه بالقول بقدم الماهيّات المنفكّة عن الوجود . وهذه الحروف بجنسها ، كما أنّ الماهيّات بنوعها ، ليست إلّا مفاهيم بحتة معدومة وإنّما تتشخّص بالوجود ، وتتحقّق بالكينونة ، ولا يكون ذلك إلّا فرداً وهو حادث قطعاً حسب ما اعترف به . هذه المسائل صارت سبباً لسقوط عقيدة الحنابلة في أعين المفكِّرين والمحقّقين من علماء الإسلام . ولأجل ذلك التجأ الأشعري لتصحيح العقيدة إلى الكلام النفسي القائم بذاته سبحانه . وقد عرفت في تبيين عقيدة
--> ( 1 ) . المنتظم في ترجمة الأشعري : 6 / 332 . ( 2 ) . مجموعة الرسائل : 3 / 45 .