الشيخ السبحاني
51
بحوث في الملل والنحل
وكان عليه أن يقرّر الدليل بصورة كاملة ويقول : لو كان البعض غاية للبعض فإمّا أن ينتهي إلى فعل لا غاية له فقد ثبت المطلوب ، أو لا فيتسلسل وهو محال . يلاحظ عليه : - أنّه لا يشكّ من أطلّ بنظره إلى الكون ، أنّ بعض الأشياء بما فيها من الآثار خلق لأشياء أُخر ، فالغاية من إيجاد الموجودات الدانية كونها في خدمة العالية منها ، وأمّا الغاية في خلق العالية هي إبلاغها إلى حدٍّ تكون مظاهر ومجالي لصفات ربِّه ، وكمال بارئه . إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي نرى هناك أوائل الأفعال ، وثوانيها ، وثوالثها و . . . فيقع الداني في خدمة العالي ، ويكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الّذي هو أمر جميل بالذات ، ولا يطلب إيجاد الجميل بالذات غاية سوى وجوده لأنّ الغاية منطوية في وجوده . هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي . وأمّا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر الجملي ، فالغاية للنظام الجملي ليس أمراً خارجاً عن وجود النظام حتّى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل ، بل هي عبارة عن الخصوصيّات الموجودة فيه وهي بلوغ النظام بأبعاضه وأجزائه إلى الكمال الممكن ، والكمال الممكن المتوخّى من الإيجاد خصوصيّة موجودة في نفس النظام ، ويعدّ صورة فعليّة له ، فاللَّه سبحانه خلق النظام ، وأوجد فعله المطلق ، حتّى يبلغ ما يصدق عليه فعله كلّاً أو بعضاً إلى الكمال الّذي يمكن أن يصل إليه . فليست الغاية شيئاً مفصولًا عن النظام ، حتّى يقال ما هي الغاية لهذه الغاية