الشيخ السبحاني

49

بحوث في الملل والنحل

إليه ، لا يكون باعثاً على الفعل ، وسبباً لإقدامه عليه بالضرورة ، فكلّ ما يكون غرضاً وجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل ، وأليق به من عدمه ، فهو معنى الكمال ، فإذن يكون الفاعل مستكملًا بوجوده ، ناقصاً بدونه » « 1 » . يلاحظ عليه : أنّ المراد من الأصلح والأولى به ، ما يناسب شؤونه ، فالحكيم لا يقوم إلّا بما يناسب شأنه ، كما أنّ كلّ فاعل غيره يقوم بما يناسب المبادئ الموجودة فيه ، فتفسير الأصلح والأولى بما يفيده ويكمِّله ، تفسير في غير موضعه . ومعنى أنّه لا يختار إلّا الأصلح والأولى ، ليس أنّ هناك عاملًا خارجاً عن ذاته ، يحدِّد قدرته ومشيئته ويفرض عليه إيجاد الأصلح والأولى ، بل مقتضى كماله وحكمته ، هو أن لا يخلق إلّا الأصلح والأولى ، ويترك اللّغو والعبث ، فهو سبحانه لمّا كان جامعاً للصفات الكماليّة ومن أبرزها كونه حكيماً ، صار مقتضى ذلك الوصف ، إيجاد ما يناسبه وترك ما يضادّه ، فأين هو من حديث الاستكمال ، والاستفادة ، والالزام ، والافراض ، كلّ ذلك يعرب عن أنّ المسائل الكلاميّة طرحت في جوّ غير هادئ وأنّ الخصم لم يقف على منطق الطرف الآخر . والحاصل ، أنّ ذاته سبحانه تامة الفاعليّة بالنسبة إلى كلا الفعلين : الفعل المقترن مع الحكمة ، والخالي عنها ، وذلك لعموم قدرته سبحانه للحسن والقبيح ، ولكن كونه حكيماً يصدّه عن ايجاد الثاني ويخصّ فعله بالأوّل ،

--> ( 1 ) . دلائل الصدق : 1 / 233 .