الشيخ السبحاني
454
بحوث في الملل والنحل
ج - نفي الرؤية الحسية هذه هي النقطة الثالثة الّتي تركز عليها المعتزلة عند البحث عن التوحيد ، وقد عرفت أنّ التوحيد رمز للتنزيه ، أي تنزيهه سبحانه عن الجسم والجسمانيّات وأحكامها . وقد شغلت هذه المسألة بال المفسِّرين والمتكلِّمين وقد بحث عنها القاضي في كتابيه « شرح الأُصول الخمسة » ، و « المغني » على وجه البسط . يقول القاضي : « وممّا يجب نفيه عن اللَّه تعالى الرؤية ، وهذه مسألة خلاف بين الناس ، وفي الحقيقة الخلاف في هذه المسألة إنّما يتحقّق بيننا وبين هؤلاء الأشاعرة الّذين لا يكيّفون الرؤية . وأمّا المجسّمة فهم يسلِّمون أنّ اللَّه تعالى لو لم يكن جسماً لم يصحّ أن يرى ، ونحن نسلِّم لهم أنّ اللَّه تعالى لو كان جسماً لصحّ أن يرى والكلام معهم في هذه المسألة لغو » . وبما أنّا استوفينا دراسة أدلّة المجوّزين للرؤية في الجزء الثاني ، فلنكتف في المقام بدراسة أدلّة النافين على وجه الإجمال . فنقول : استدلّت المعتزلة على نفي الرؤية بالأدلّة العقليّة والسمعية . أمّا العقلية ، فهي ما أثبتها الحسّ والعلوم الطبيعية من أنّ الرائي بالحاسّة لا يرى الشيء إلّا إذا كان مقابلًا أو حاّلًا في المقابل أو في حكم المقابل . وقد ثبت أنّ اللَّه تعالى لا يجوز أن يكون كذلك ، لأنّ المقابلة من أحكام الأجسام