الشيخ السبحاني

450

بحوث في الملل والنحل

وقوله سبحانه : « إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » « 1 » . وقد شغل بال المفسّرين وأهل الكلام استواؤه سبحانه على العرش ، فأقصى ما عند أهل التنزيه من الأشاعرة أنّه سبحانه مستو على عرشه ( جالس أو مستقرّ عليه ) ولكن من غير كيف . « 2 » وأمّا المشبّهة فهم يقولون بالجلوس على العرش على الكيف والتشبيه . ولو أنّ القوم تدبّروا في نفس الآيتين الماضيتين والآيات الأُخر « 3 » التي ورد فيها قوله سبحانه : « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » ، لوقفوا على أنّ الظهور التصوّري وهو كونه سبحانه ذا سرير متربّعاً عليه ، غير مراد قطعاً ، إذ لا مناسبة لهذا المعنى مع ما جاء في الآيات من بيان عظمة قدرته وسعة ملكه وتدبيره ، وإنّه لا يشذّ عن علمه شيء ، بل المراد هو الظهور التصديقي ، وأنّ الاستواء بمعنى التمكّن والاستيلاء التام ، لا الجلوس ولا الاستقرار بعد التزلزل ، كما أنّ المراد من العرش ، عرش التدبير وعرش

--> ( 1 ) . الأعراف : 54 . ( 2 ) . الإبانة : 85 ، باب ذكر الاستواء على العرش . ( 3 ) . الرعد : 2 ، الفرقان : 59 ، السجدة : 5 ، الحديد : 5 ، غافر : 15 ، طه : 8 باختلاف يسير .