الشيخ السبحاني
44
بحوث في الملل والنحل
يلاحظ عليه : 1 - أنّ من الأُصول المسلّمة عند العقل ، كون الامتناع بالاختيار غير مناف للاختيار ، فمن ألقى نفسه من شاهق عن اختيار فقد قتل نفسه اختياراً ، فالقتل بعد الإلقاء وإن كان خارجاً عن الاختيار ، ولكنّه لمّا كان الإلقاء - الّذي يُعدّ من مبادئ القتل - في اختياره ، يعدّ القتل فعلًا اختياريّاً لا اضطراريّاً . 2 - أنّ من فقد القدرة ، وعجز عن القيام بالعمل ، سواء أكان بعامل اختياريّ أم غيره ، لا يصحّ تكليفه به عن جدّ ، لأنّ فاقد القدرة والجماد في هذه الجهة سواسية ، فلا تظهر الإرادة الجدّية في صقع الذهن ، ولو خوطب العاجز فإنّما يخاطب بملاكات أُخر من التقريع ، والتنديد ، وغيرهما . وفي ضوء هذين الأمرين يستنتج أنّ من ضيّع قدرته يُعذَّب ، لما تقرّر من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، ولكن لا يصحّ تكليفه بعد الضياع ، للغويّة الخطاب واستهجانه ، وبذلك يظهر وهن برهان المفصّل من أنّه لو لم يصحّ تكليف المضيِّع للقدرة لاختصّ التكليف بالمطيع ، لما عرفت من أنّ سقوط التكليف والخطاب بالتضييع ، لا يستلزم سقوط العقاب والمؤاخذة ، وقد اشتهر بين القوم أنّ الامتناع بالاختيار ، لا ينافي الاختيار عقاباً لا خطاباً ، ولو كان الماتريدي واقفاً على أنّ القائلين بامتناع التكليف بما لا يطاق ، قائلون بصحّة عقوبة من ضيّع القدرة ، وجعل نفسه في عداد العجزة ، لما فصّل بين من مُنع منه الطّاقة ، ومن ضيّعها ، ولما ضرب الجميع بسهم واحد .