الشيخ السبحاني
424
بحوث في الملل والنحل
بالتوحيد والتنزيه في باب الصفات ونفي الصفات الزائدة والمعاني القائمة بذاته ، ولم يكن الحافز إلّا الفرار عن الثنويّة وتوابعها . ومن الجسارة الواضحة بل الظلم الفاحش اتّهام هذه الفرقة بما كتبه عنهم أهل الملل والمقالات . فهذا الأشعري يتّهمهم بقوله « أرادت المعتزلة أن تنفي أنّ اللَّه عالم قادر حيّ سميع بصير ، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك ، فأتوا بمعناه ، لأنّهم إذا قالوا : لا علم للَّه ولا قدرة له ، فقد قالوا : إنّه ليس بعالم ولا قادر ووجب ذلك عليهم ، وهذا إنّما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل ، لأنّ الزنادقة قال كثير منهم إنّ اللَّه ليس بعالم ولا قادر ولا حيّ ولا سميع ولا بصير ، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك فأتت بمعناه وقالت : إنّ اللَّه عالم قادر حيّ سميع بصير من طريق التسمية ( الكتاب والسنّة ) من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر . « 1 » وحاصل تحليل الشيخ أنّ المعتزلة كانت بصدد نفي الأسماء والصفات وفاقاً للزنادقة ، فلم يقدروا عليه خوفاً من السلطة ، ولكنّهم نفوا العلم والقدرة والحياة حتّى يتسنّى لهم نفي الأسماء والصفات ( العالم والقادر ) بالملازمة ، فمثلهم كمثل من خرج من الباب موهماً للانصراف ثمّ دخل من النافذة . تلك واللَّه جرأة في الدين وجسارة بلا مبرّر ، والآثار الباقية من المعتزلة تبيّن لنا جهة إصرارهم على نفي الصفات الزائدة على الذات .
--> ( 1 ) . الإبانة : 107 - 108 .