الشيخ السبحاني
42
بحوث في الملل والنحل
بالكسر - واللَّه سبحانه موجَباً ومكلَّفاً - بالفتح - ، لأنّ شأن العقل هو الإدراك ، ومعنى إيجابه القيام بالحسن ، والاجتناب عن ضدّه ، هو استكشافه لزوم القيام بالأوّل وامتناع القيام بالثاني بالنظر إلى المبادئ الموجودة في الفاعل الحكيم ، فالمتّصف بكلّ الكمال ، والمبرّأ عن كلّ سوء ، لا يصدر منه إلّا الحسن لوجود الصارف عن غيره ، ويمتنع صدور غيره عنه ، وليس هذا الامتناع امتناعاً ذاتيّاً بمعنى تحديد قدرته ومشيئته ، بل قدرته ومشيئته مطلقتان بالذات غير محدودتين ، فهو سبحانه قادر على كلا القسمين من الفعل - أعني : الحسن والقبح - لكن بالنظر إلى أنّه عالم واقف على قبح الأفعال ، وغنيُّ عن فعل القبح ، يترك القبيح ولا يفعله ، واللَّه الحكيم كتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن ولا يفعل القبيح ، وليس دور العقل إلّا دور الكشف والتبيين ، والتعبير بالإيجاب بملاك الوقوف على المبادئ الكماليّة الموجودة في المبدأ كقولك : يجب أن تكون زوايا المثلّث متساوية مع زاويتين قائمتين ، فإنّ الخصوصيّة التكوينيّة الكامنة فيه مبدأ ذلك الإيجاب ، والعقل كاشفة ، ومع ذلك ربّما يعبّر عن ذلك بالإيجاب . 4 - اختار الماتريدي قصور العقل عن تعيين كيفيّة الثواب وكونه بالجنّة ، وكيفيّة العقاب وكونه بالنار وهو الحقّ ، فإنّ أقصى ما يستقلّ به العقل هو لزوم مثوبة المطيع ومجازاة العاصي ، وأمّا الكيفيّة فلا يستقلّ العقل بشيء منها ( على فرض كون الثواب بالاستحقاق ) . نعم ما ذكره من أنّه ليس للَّه العفو عن الكفر عقلًا ، فالظّاهر أنّه تحديد رحمته وقد سبقت غضبه ،