الشيخ السبحاني
39
بحوث في الملل والنحل
ولا يخفى وهن النّظرية ، لاستلزامها الدور ، لأنّ معرفة الإيجاب تتوقّف على معرفة الموجِب ، فإنّ من لا نعرفه بوجه من الوجوه ، كيف نعرف أنّه أوجب ؟ فلو استفيدت معرفة الموجِب من معرفة الإيجاب ، لزم الدور . وأيضاً : لو كانت المعرفة تجب بالأمر ، فهو إمّا متوجّه إلى العارف باللَّه أو غيره ، فالأوّل تحصيل للحاصل ، وأمّا الثاني ، فهو باطل ، لاستحالة خطاب الغافل ، إذ كيف يصحّ الأمر بالغافل المطلق بأنّ اللَّه قد أمره بالنظر والمعرفة ، وأنّ امتثال أمره واجب إلّا إذا خصّ الوجوب بالشاك . هذا ما عليه الأشاعرة ، وأمّا الماتريديّة فتقول بوجوبها عقلًا مثل المعتزلة . قال البياضي : « ويجب بمجرّد العقل في مدة الاستدلال ، معرفة وجوده ، ووحدته ، وعلمه ، وقدرته ، وكلامه ، وإرادته ، وحدوث العالم ، ودلالة المعجزة على صدق الرسول ، ويجب تصديقه ، ويحرم الكفر ، والتكذيب به ، لا من البعثة وبلوغ الدعوة » « 1 » . القول بوجوب هذه الأُمور من جانب العقل من قبل أن يجيء الشرع دفعاً لمحذور الدور يعرب عن كون الداعي ، أعطى للعقل سلطاناً أكبر ممّا أعطاه الأشعري له .
--> ( 1 ) . إشارات المرام : 53 فصل الخلافيات بين جمهور الماتريدية والأشعرية .