الشيخ السبحاني
347
بحوث في الملل والنحل
فقال أبو عليّ : إنّ أبا عثمان أجابه بالمسكت وقال له : إنّ الشاعر قد يكذب وقد يصدق ، ولكن حدّثني عن قول اللَّه عزّ وجلّ : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » « 1 » إن ملأها أتقول صدق ؟ قال : نعم ، وإن لم يملأها أفتقول صدق ؟ فسكت أبو حنيفة . يلاحظ عليه : أنّه سبحانه إنّما يخلف بما أوعده إذا عفا عن الكافر والمشرك والمسلم جميعاً ، وأمّا إذا عفا عن المسلمين خاصّة فلا يلزم الكذب ، لأنّه لا يستلزم خلف الإيعاد الوارد في الآية المباركة ، ولا يلزم خلوّ جهنّم من الجنّة والناس الّذي أشار اللَّه إليه بقوله : « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ » ، لأنّ من يجري عليه العفو أقلّ ممّن يكون محكوماً بدخول الجحيم ، وليس القائل بالعفو يقول بأنّ العفو يعمّ كلّ كافر ومشرك ومسلم ، وإنّما يتحقّق في إطار محدود ومضيّق . كيف وقد وعد سبحانه على وجه الجزم والقطع بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ » « 2 » وليس المراد من الغفران هو المغفرة لأجل التّوبة ، لأنّ الغفران بعد التوبة يعمّ المشرك وغيره ، وإنّما المراد هو الغفران والمغفرة بلا توبة وإنابة ، والمشرك والمنافق لا يعمّهما العفو أبداً ، ويكفي ذلك في تحقّق وعيد الربّ وصدق إخباره « لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ » . وخلاصة القول : أنّ القائل بالعفو في مورد الإيعاد يدّعي قضيّة جزئيّة
--> ( 1 ) . هود : 119 ؛ السجدة : 13 . ( 2 ) . النساء : 48 .