الشيخ السبحاني
317
بحوث في الملل والنحل
ملكوت السماوات والأرض فأعتبر ، قال : وجعل لك فماً ؟ قال : نعم ، قال : ولِمَ ؟ قال : لأذوق الطعوم وأُجيب الداعي ، ثمّ عدّد عليه الحواسّ كلّها ، ثمّ قال : وجعل لك قلباً ؟ قال : نعم ، قال : ولِمَ ؟ قال لتؤدّي إليه الحواسّ ما أدركته فيميّز بينها . قال : فأنت لم يرض لك ربّك تعالى إذ خلق لك خمس حواسّ حتّى جعل لها إماماً ترجع إليه ، أترضى لهذا الخلق الّذين جشأ بهم العالم ألّا يجعل لهم إماماً يرجعون إليه ؟ فقال له عمرو : ارتفع حتّى ننظر في مسألتك وعرفه . ثمّ دار هشام في حلق البصرة فما أمسى حتّى اختلفوا » « 1 » . أقول : ما أجاب به عمرو بن عبيد هشام بن الحكم ، يدلّ على دماثة في الخلق وسماحة في المناظرة مع أنّه طعن في السنّ ، وهشام بن الحكم كان يعدّ في ذلك اليوم من الأحداث ، وقد استمهل حتّى يتأمّل في مسألته ولم يرفع عليه صوته وعقيرته بالشتم والسبّ ، كما هو عادة أكثر المتعصّبين ، ولم يرمه بالخروج عن المذهب . 3 - قال الجاحظ : « نازع رجل عمرو بن عبيد في القدر فقال له عمرو : إنّ اللَّه تعالى قال في كتابه ما يزيل الشك عن قلوب المؤمنين في القضاء والقدر قال تعالى : « فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ » « 2 » . ولم يقل لنسألنّهم عمّا قضيت عليهم ، أو قدّرته فيهم ، أو أردته منهم ، أو شئته لهم ،
--> ( 1 ) . أمالي المرتضى : 1 / 176 - 177 . ( 2 ) . الحجر : 92 - 93 .