الشيخ السبحاني
29
بحوث في الملل والنحل
2 - قال أبو زهرة : « إنّ منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أيّ شطط أو إسراف ، والأشاعرة يتقيّدون بالنّقل ويؤيِّدونه بالعقل ، حتّى إنّه يكاد الباحث يقرّر أنّ الأشاعرة في خطّ بين الاعتزال وأهل الفقه والحديث ، والماتريديّة في خطّ بين المعتزلة والأشاعرة ، فإذا كان الميدان الّذي تسير فيه هذه الفرق الإسلاميّة الأربع ، والّتي لا خلاف بين المسلمين في أنّها جميعاً من أهل الإيمان ، ذا أقسام أربعة ، فعلى طرف منه المعتزلة ، وعلى الطرف الآخر أهل الحديث ، وفي الربع الّذي يلي المعتزلة ، الماتريديّة ، وفي الربع الّذي يلي المحدّثين ، الأشاعرة » « 1 » . يلاحظ عليه : أنّه كيف جعل أبو زهرة هؤلاء كلّهم من أهل الايمان ، مع أنّ بين أهل الحديث طوائف المشبِّهة ، والمجسِّمة ، والقائلين بالجبر المستلزم للغوية التكليف وبعث الأنبياء ، فهل يصحّ أن يعدّ من يصوّر بعث الأنبياء لغواً ، وإنزال الكتب عبثاً ، من أهل الإيمان ؟ والحال أنّه لا تقصر عقيدة هؤلاء عن عقيدة أهل الجاهليّة الأُولى الّذين وصفهم الإمام علي عليه السلام في خطبة بقوله : « وأهل الأرض يومئذ ( يوم بعث النّبي الأكرم ) ملل متفرِّقة ، وأهواء منتشرة ، وطوائف متشتّتة ، بين مشبِّه للَّه بخلقه ، أو ملحد في اسمه ، أو مشير به إلى غيره » « 2 » . ويا للعجب ! إذا قسّم أبو زهرة ساحة الإيمان كلّها لهذه الطوائف
--> ( 1 ) . تاريخ المذاهب الإسلاميّة : 1 / 199 . ( 2 ) . نهج البلاغة : الخطبة 1 ، طبعة عبده ص 25 .