الشيخ السبحاني
193
بحوث في الملل والنحل
قال الشهرستاني : « الجبر هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الربّ تعالى ، والجبريّة أصناف ، فالجبرية الخالصة هي الّتي لا تثبت للعبد فعلًا ولا قدرة على الفعل أصلًا . والجبريّة المتوسطة هي الّتي تثبت للعبد قدرة غير مؤثّرة أصلًا . فأمّا من أثبت للقدرة الحادثة أثراً ما في الفعل وسمّى ذلك كسباً فليس بجبري » . « 1 » يلاحظ عليه : أنّ الفرق الثلاث كلّهم جبريّون من غير فرق بين نافي القدرة والاستطاعة كما عليه « الجهم » أو مثبتها ، لكن قدرة غير مؤثّرة ، بل مقارنة لإيجاده سبحانه فعل العبد وعمله ، أو مؤثّرة في اتّصاف الفاعل بكونه كاسباً والفعل كسباً ، لما عرفت من أنّ القول بالكسب نظريّة مبهمة جدّاً لا ترجع إلى أصل صحيح ، وأنّ القول بأنّه سبحانه هو الخالق المباشر لكلّ شيء لا يترك لنظريّة الكسب مجالًا للصحّة ، لأنّ الكسب لو كان أمراً وجوديّاً فاللَّه هو خالقه وموجده ( أخذاً بانحصار الخلق في اللَّه ) ، وإن كان أمراً عدميّاً اعتبارياً ، فلا يخرج الفاعل من كونه فاعلًا مجبوراً . « 2 » وعلى أيّ تقدير ، فالقول بالجبر وإذاعته بين الناس وانقيادهم له كان حركة رجعيّة إلى العصر الجاهلي ، وقد كان الجبر سائداً على مشركي العرب وغيرهم . « 3 »
--> ( 1 ) . الملل والنحل : 1 / 86 . ( 2 ) . راجع : الجزء الثاني من كتابنا هذا ص 147 وما بعدها ، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه . ( 3 ) . راجع : الجزء الأوّل من هذه الموسوعة : 388 ، نشر مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام - 1427 ه .