الشيخ السبحاني
187
بحوث في الملل والنحل
تعالى : « وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ - إلى قوله - أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ » « 1 » ، فأمّا الضلال عن الدين فهو فعل شياطين الجنّ والإنس ، ألا ترى أنّ اللَّه تعالى ذمّ عليهم فقال : « وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ » « 2 » ، وقد حكى عن أهل النّار أنّهم يقولون : « وَما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ » « 3 » وما يقولون : وما أضلّنا إلّا ربّ العالمين . وقالت المجبّرة القدريّة : أنّ اللَّه كلّف العباد ما لا يطيقون ، وذلك بادّعائها أنّ اللَّه خلق الكفر في الكفّار ، ولا يُقدرهم على الإيمان ثمّ يأمرهم به ، فإذا لم يفعلوا الإيمان الّذي لم يُقدره عليهم ، وفعلوا الكفر الّذي خلقه فيهم ، وأراده منهم ، وقضاه عليهم ، عاقبهم عذاباً دائماً . وقالت العدليّة : معاذ اللَّه ! إنّ اللَّه لا يكلّف العباد ما لا يتّسعون له ( الوسع : دون الطاقة ) إذ تكليف ما لا يطاق ظلم وعبث ، وأنّه لا يظلم ولا يعبث ولو جاز أن يكلّف من لا يُقدره على الإيمان لجاز أن يكلّف من لا مال له بإخراج الزكاة ، وأن يكلّف المُقعد بالمشي والعدو وقال تعالى : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 4 » ، فهو لا يكلّف من لا يستطيع قبل الفعل أن يفعل ، قال تعالى : « وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » « 5 » -
--> ( 1 ) . البقرة : 26 - 27 . ( 2 ) . طه : 85 . ( 3 ) . الشعراء : 99 . ( 4 ) . البقرة : 286 . ( 5 ) . آل عمران : 97 .