الشيخ السبحاني
173
بحوث في الملل والنحل
الحريّة والاختيار غير ما عرفته من كلام الأشعري من أنّ الإنسان هو المقدّر لأعماله ، كما عرفت ضعفه وإليك بيانها : 1 - القدريّة منسوبة إلى « القدرة » بمعنى الاستطاعة ، فمن قال بتأثير قدرة الإنسان في فعله وأنّها المصدر له ، فهو قدريّ . يلاحظ عليه : أنّه لو صحّ هذا الوجه لوجب ضمّ الفاء دون فتحها ، والمشهور هو الأوّل ولم يسمع الثاني . أضف إليه أنّ المناسب على هذا الوجه هو التعبير « بالقادرية » لا « القدرية » بضمّ الفاء الّذي هو غير مأنوس للأذهان والأفهام . 2 - إنّ الحديث من باب إطلاق الشيء وإرادة نقيضه ، أي نفاة القدر ومنكروه ، وسيأتي في حديث أحمد ما يوافق ذلك . يلاحظ عليه : أنّه لم ير مثله في أمثالها ، فلا تطلق الجبريّة ، ولا العدليّة على نفاة الجبر والعدل . أضف إليه أنّه لم يظهر من هؤلاء - أعني : معبداً الجهني ولا غيلان الدمشقي - إنكار التقدير بالمعنى الصحيح ، غير المنافي للحريّة والاختيار ، فإذا أردنا أن نعرف مذهبهم في مجال القضاء والقدر ، فيلزم علينا الرجوع إلى مذهب خصومهم ، فإنّ الأُمور تعرف بأضدادها ، وحاشا أن يكون المسلم الواعي منكراً للقضاء والقدر الواردين في الكتاب والسنّة ، غير السالبين للاختيار والحريّة ، غير المنافيين لصحّة التكليف وبعث الرسل . وإنّما أنكروا القدر بالمعنى الّذي كان البلاط ومرتزقته ينتحلونه لتبرير