الشيخ السبحاني

171

بحوث في الملل والنحل

هذا وضع السند ، وأمّا الدلالة ، فقد اختلف النظر في مفاده ، كلّ من المجبّرة والعدليّة يتبرّأ منه ، ويريد تطبيقه على خصمه . فأهل الحديث والحشويّة والسلفيّة والأشعريّة الّذين يتّسمون بسمة الجبر الجليّ أو الخفيّ ، يفسّرون القدريّة بنفاة القدر ، من باب إطلاق الشيء وإرادة نقيضه ، والمعتزلة وأسلافهم ، أعني : دعاة الحريّة والاختيار يتّهمون الجبرية بالقدريّة ، لأنّهم قائلون بالقدر والتقدير ، وأنّ كل شيء يتحقّق بتقدير من اللَّه سبحانه ولا محيص عمّا قدّر وقُضي . وهناك كلمة للعلّامة محمّد بن علي الكراجكي ( المتوفّى 449 ه ) من تلاميذ الشيخ المفيد لا بأس بنقلها ، قال : « ولم نجد في أسماء الفرق ما ينكره أصحابه ويتبرّأ منه سوى القدرية » . فأهل العدل يقولون لأهل الجبر : أنتم « القدريّة » ، وأهل الجبر يقولون لأهل العدل : « أنتم القدريّة » ، وإنّما تبرّأ الجميع من ذلك ، لأنّهم رووا - من طريق أبي هريرة - عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنّه لعن القدرية وقال : « إنّهم مجوس هذه الأُمّة ، إن مرضوا فلا تعودوهم ، وإن ماتوا فلا تشهدوهم » « 1 » . وقد حاول الأشعري تطبيق الحديث على المعتزلة وقال : « زعمت القدريّة - يريد بها المعتزلة وأسلافهم - أنّا نستحقّ اسم القدر ، لأنّا نقول : إنّ اللَّه عزّ وجلّ قدّر الشرّ والكفر ، فمن يثبت القدر كان قدريّاً دون من لم يثبته » .

--> ( 1 ) . كنز الفوائد : 1 / 123 .