الشيخ السبحاني
157
بحوث في الملل والنحل
لم يكونوا يدينون بشيء ممّا رموا به إلّا القول بأنّ الإنسان مختار في حياته ، وأنّه ليس له إلّا ما سعى ، ولم تكن عندهم فكرة التفويض التي تعادل الشرك الخفيّ ، وإنّما حدثت فكرة التفويض بعدهم بين المعتزلة . وعلى ذلك فهؤلاء المسمّون بالقدريّة ظلماً وعدوانا ، أسلاف المعتزلة في الدعوة إلى حريّة الإنسان ، لا في الدعوة إلى التفويض البغيض . واستغلّت الأشاعرة ومؤلّفو الملل والنّحل لفظ « القدريّة » ، فاستعملوها في مخالفيهم تبعاً لأهل الحديث في هذه الظروف ، فأطلقوها على كلِّ من ادّعى للانسان حريّة في العمل واختياراً في الفعل الّذي هو مناط صحّة التكليف ، ومدار بعث الرسل ، فدعاة الحريّة عندهم قدرية إمّا لاتّهامهم - كذباً وزوراً - بإنكار تقدير اللَّه وقضائه ، من باب إطلاق الشيء ( القدريّة ) وإرادة نقيضه ( إنكار القدر ونفيه ) ، أو لاتّهامهم بأنّهم يقولون نحن نقدّر أعمالنا وأفعالنا و . . . وسيوافيك بحث حول هذه اللفظة عند خاتمة البحث . دعاة الحرية 1 - معبد بن عبد اللّه الجهني البصري ( المتوفّى 80 ه ) : أوّل من قال بالقدر في البصرة . سمع الحديث من ابن عبّاس ، وعمران بن حصين وغيرهما وحضر يوم التحكيم ، وانتقل من البصرة إلى المدينة فنشر فيها مذهبه ، وكان صدوقاً ثقة في الحديث ومن التّابعين ، وخرج مع ابن الأشعث على الحجّاج بن يوسف ، فخرج وأقام بمكّة فقتله الحجّاج صبراً بعد أن عذّبه ، وقيل صلبه