الشيخ السبحاني

126

بحوث في الملل والنحل

هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » « 1 » ، فمن ادّعى بأنّ أمر الإيمان بمعنى التصديق والإذعان ، دائر بين الوجود والعدم ، فقد غفل عن حقيقته ومراتبه . فهل يصحّ لنا أن ندّعي أنّ إيمان الأنبياء بعالم الغيب ، كإيمان الإنسان العادي ، مع أنّ مصونيّتهم من العصيان والعدوان رهن علمهم بآثار المعاصي وعواقبه ، الّذي يصدّهم عن اقتراف المعاصي وارتكاب الموبقات . فلو كان إذعانهم كإذعان سائر الناس ، لما تميّزوا بالعصمة عن المعصية . وما ذكره من أنّ الزيادة تستعمل في كميّة العدد منقوض بآيات كثيرة استعملت الزيادة فيها في غير زيادة الكمّية . قال سبحانه : « وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً » « 2 » . وقال : « وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً » « 3 » . والمراد شدّة خشوعهم ونفورهم ، لا كثرة عددهما ، إلى غير ذلك من الآيات الّتي استعمل فيها ذلك اللّفظ في القوّة والشدّة لا الكثرة العدديّة . 2 - قوله سبحانه : « وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ » « 4 » ، وإنّما عنى بذلك صلاتهم إلى بيت المقدس قبل أن تنسخ بالصّلاة إلى الكعبة . يلاحظ عليه : أنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة ، ولا نشكّ في أنّ العمل أثر للإذعان وردّ فعل له ، ومن الممكن أن يطلق السبب ويراد به المسبّب . إنّما

--> ( 1 ) . ق : 22 . ( 2 ) . الإسراء : 109 . ( 3 ) . الإسراء : 41 . ( 4 ) . البقرة : 143 .