الشيخ السبحاني
123
بحوث في الملل والنحل
قال تعالى : « أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ » « 1 » ، وقال سبحانه : « وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ » « 2 » . فإن قلت : دلّ الكتاب على أنّ الإيمان عبارة عن التصديق الظاهر بالإقرار باللّسان أو نحوه . فعندئذ كيف يكون محلّه هو القلب مع أنّ جزءاً منه الإظهار باللّسان ونحوه ؟ قلت : قد عرفت أنّ الايمان لغة هو التّصديق قلباً ، غاية الأمر دلّ الدليل على عدم كفايته إذا أنكره وجحده باللّسان وإن أذعن به في القلب . بل يمكن أن يقال : إنّ الايمان هو التصديق المورث للسكون والسكينة والتسليم . والجاحد بلسانه لا تحصل له تلك الحالة وإن حصل له العلم ، لكن ليس كلّ علم ملازماً للإيمان بل هو أخصّ منه . ولأجل ذلك قال سبحانه : « فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » « 3 » ، فالإيمان هو المعرفة المورثة للسكون ، الباعثة إلى التسليم ، ولا تحصل تلك الحالة للجاحد الحاقد . هذا هو مقتضى الكتاب ، ويؤيّده الإجماع حيث جعلوا الإيمان شرطاً
--> ( 1 ) . النحل : 108 . ( 2 ) . الجاثية : 23 . ( 3 ) . النساء : 65 .