الشيخ السبحاني
113
بحوث في الملل والنحل
دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ » « 1 » فالجواب أنّه تعالى قال في هذه الآية : « لمن يشاء » والمشيئة مغيّبة عنّا ، إلى أن نعرفها بالأدلّة ، وقد بيّن « من يشاء » بقوله : « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » « 2 » ، فهو يكفّر الصغائر بتجنّب الكبائر ، والكبائر بالتوبة ، قال سبحانه : « وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ » « 3 » . « 4 » وهنا وجه آخر للعنهم وهو يرجع إلى قولهم بالإرجاء بالمعنى الأوّل أعني التوقّف في أمر الإمام عليّ أمير المؤمنين عليه السلام وعدم الحكم بشيء فيه من الإيمان وضدّه . وأيّ مصيبة أعظم من التوقّف في إيمان أخي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وصنوه ووزيره ، وهو الصدّيق الأكبر ، وأوّل المؤمنين . قال - صلوات اللَّه عليه - : « ولقد كنت أتّبعه ( الرسول ) اتّباع الفصيل أثر أُمّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ، ويأمرني بالاقتداء به . ولقد كان يجاور في كلّ سنة ب ( حراء ) ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وخديجة وأنا ثالثهما . أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة » « 5 » . أفي مثله يتوقّف الإنسان المنصف في الحكم بإيمانه ؟ !
--> ( 1 ) . النساء : 48 . ( 2 ) . النساء : 31 . ( 3 ) . الزمر : 54 . ( 4 ) . الإبانة عن مذهب أهل العدل بحجج القرآن والعقل للصاحب ( المتوفّى 385 ه ) : 23 ، المطبوع ضمن نفائس المخطوطات . ( 5 ) . نهج البلاغة : 3 / 161 - 182 ، الرقم 187 ، الخطبة القاصعة .