الشيخ السبحاني

11

بحوث في الملل والنحل

مقبولًا لكلّ من يريد الجمع بين النقل والعقل ، والحديث والبرهان ، وقد أسّس في ضوء هذا منهجاً معتدلًا بين المنهجين وتصرّف في المذهب الأُمّ ، تصرّفاً جوهرياً وقد أسعفه حسن الحظّ ونصره رجال في الأجيال المتأخرة ، حيث نضّجوا منهجه ، حتى صار مذهباً عامّاً لأهل السنّة في الأُصول ، كما صارت المذاهب الأربعة مذاهب رسمية في الفروع . وفي الوقت الّذي ظهر مذهب الأشعري بطابع الفرعية لمذهب أهل الحديث ، ظهر مذهب آخر بهذا اللون والشكل لغاية نصرة السنّة وأهلها ، وإقصاء المعتزلة عن السّاحة الإسلاميّة . كلّ ذلك بالتصرف في المذهب وتعديله ، وذلك المذهب الآخر هو مذهب الماتريديّة للامام محمّد بن محمّد بن محمود الماتريدي السمرقندي ( المتوفّى عام 333 ه ) أي بعد ثلاثة أو تسعة « 1 » أعوام من وفاة الإمام الأشعري . والداعيان كانا في عصر واحد ، ويعملان على صعيد واحد ، ولم تكن بينهما أيّة صلة ، فهذا يكافح الاعتزال ويناصر السنّة في العراق متقلّداً مذهب الشافعي في الفقه ، وذاك يناضل المعتزلة في شرق المحيط الإسلامي ( ما وراء النّهر ) ، متقلّداً مذهب أبي حنيفة في الفقه ، وكانت المناظرات والتيّارات الكلامية رائجة في كلا القطرين . فكانت البصرة - يوم ذاك - بندر الأهواء والعقائد ، ومعقلها ، كما كانت أرض خراسان مأوى أهل الحديث ومهبطهم ،

--> ( 1 ) . على اختلاف في تاريخ وفاته بين كونه في 330 أو 324 ه .