عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

95

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

يقول : أحياء عند ربهم يرزقون من ثمر الجنة ، ويجدون ريحها وليسوا فيها . وروى ابن المبارك ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قال : ليس هم في الجنة ، ولكن يأكلون من ثمارها ، ويجدون ريحها . وقد يستدلّ لقوله بما روى ابن إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة ، عن محمود بن لبيد ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الشهداء على طريق بارق نهر الجنة ، فيه قبّة خضراء ، يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشيا » « 1 » . وخرّجه ابن منده ، ولفظه : « على بارق نهر في الجنة » . وهذا يدلّ على أن النهر خارج من الجنة . وابن إسحاق مدلس ، ولم يصرح بالتحديث هنا ، ولعلّ هذا في عموم الشهداء ، والذين في القناديل التي تحت العرش خواصهم ، ولعل المراد بالشهداء هنا من هو شهيد من غير قتل في سبيل اللّه ، كالمطعون والمبطون والغريق وغيرهم ممن ورد النص بأنه شهيد . فالأحاديث السابقة كلها فيمن قتل في سبيل اللّه ، وبعضها صريح في ذلك ، وفي بعضها أن الآية نزلت في ذلك ، وهو قوله تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً الآية ، نصّ في المقتول في سبيل اللّه . وقد يطلق الشهيد على من حقق الإيمان وشهد بصحته ، لقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ الحديد : 19 ] قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في هذه الآية يقول : يشهدون على أنفسهم بالإيمان باللّه . وروى سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد ، قال : كل مؤمن صدّيق وشهيد ، ثم قرأ : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ . وخرّج ابن أبي حاتم ، من رواية رشدين بن سعد ، عن ابن عقيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : كلكم صدّيق وشهيد . قيل له : ما تقول يا أبا هريرة ؟ قال : اقرأ : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ . وخرّج ابن جرير ، من طريق إسماعيل بن يحيى التيمي ، عن ابن عجلان ، عن زيد بن أسلم ، عن البراء بن عازب ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « مؤمنو أمتي شهداء » ، ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ ، وإسماعيل هذا : ضعيف جدا .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 1 / 266 ) وحسنه الألباني في « صحيح الجامع » ( 3742 ) .