عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
76
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
وقد وافق عائشة على نفي سماع الموتى كلام الأحياء طائفة من العلماء ، ورجّحه القاضي أبو يعلى من أصحابنا ، في كتاب ( الجامع الكبير ) له ، واحتجوا بما احتجت به عائشة ، وبأنه يجوز أن يكون ذلك معجزة مختصة بالنبي صلى اللّه عليه وسلم دون غيره ، وهو سماع الموتى كلامه . وفي « صحيح البخاري » قال قتادة : أحياهم اللّه تعالى - يعني أهل القليب - حتى أسمعهم قوله ، توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما « 1 » . وذهب طوائف من أهل العلم - وهم الأكثرون - ، وهو اختيار الطبري وغيره ، وكذلك ذكره ابن قتيبة وغيره من العلماء ، وهؤلاء يحتجون بحديث القليب ، كما سبق ، وليس هو بوهم ممن رواه ، فإن ابن عمر وأبا طلحة وغيرهما ممن شهد القصة حكياه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وعائشة لم تشهد ذلك ، وروايتها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنهم ليعلمون الآن ، أن ما كنت أقول لهم حق » ، يؤيّد رواية من روى : إنهم ليسمعون ، ولا ينافيه ، فإن الميّت إذا جاز أن يعلم جاز أن يسمع ، لأن الموت ينافي العلم ، كما ينافي السمع والبصر ، فلو كان مانعا من البعض لكان مانعا من الجميع . وروى أبو الشيخ الأصبهاني ، بإسناده عن عبيد بن مرزوق ، قال : كانت امرأة بالمدينة يقال لها أم محجن ، تقمّ المسجد ، فلم يعلم بها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فمر بقبرها ، فقال : « ما هذا القبر » ؟ فقالوا : أم محجن . فقال : « التي كانت تقمّ المسجد » ؟ قالوا : نعم . فصفّ الناس فصلّى عليها ، ثم قال : « أيّ العلم وجدت أفضل » ؟ قالوا : يا رسول اللّه أتسمع ؟ قال : « ما أنتم بأسمع منها » ، فذكر أنها أجابته : قمّ المسجد . وهذا مرسل . وأما أن ذلك خاصّ بكلام النبي صلى اللّه عليه وسلم فليس كذلك ، وقد ثبت في الصحيحين ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه ، إنه ليسمع قرع نعالهم » « 2 » ، وقد سبق ذكره ، وسنذكر الأحاديث الواردة بسماع الموتى سلام من يسلّم عليهم فيما بعد ، إن شاء اللّه . وأما قوله : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى ، وقوله : وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ، فإن السماع يطلق ويراد به إدراك الكلام وفهمه ، ويراد به أيضا الانتفاع به ، والاستجابة له . والمراد بهذه الآيات نفي الثاني دون الأول ، فإنها في سياق خطاب الكفّار الذين لا يستجيبون للهدى ولا للإيمان إذا دعوا إليه ، كما قال اللّه تعالى : وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها
--> ( 1 ) « صحيح البخاري » ( 3976 ) . ( 2 ) تقدم .