عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

66

أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور

سنة تسعين وخمسمائة ، وجد ميت ببغداد بظاهر باب البصرة ، وقد بلي ولم يبق غير عظامه ، وفي يديه ورجليه ضباب حديد ، وضرب فيهما مسماران أحدهما في سرته ، والآخر في جبهته ، وكان هائل الخلقة ، غليظ العظام ، وكان سبب ظهوره زيادة الماء ، كشفت تلّا كان يعرف بالتل الأحمر ، على ميلين من سور باب البصرة القديم . وذكر شيخنا أبو عبد اللّه بن القيم - رحمه اللّه - تعالى في كتاب ( الروح ) « 1 » حدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن سنان السلامي التاجر - وكان من خيار عباد اللّه - ، قال : جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد ، فباع مسامير صغارا المسمار برأسين فأخذها الحدّاد فجعل يحمي عليها ، فلا تلين معه ، حتى عجز عن ضربها ، فطلب الذي باعها عليه ؟ فوجده ، فقال : من أين لك هذه المسامير ، قال : لقيتها ، فلم يزل حتى أخبره أنه رأى قبرا مفتوحا ، وفيه عظام ميّت منظومة بهذه المسامير ، قال : فعالجتها على أن أخرجها ، فلم أقدر ، فأخذت حجرا فكسّرت عظامه وجمعتها ، قال : وأنا رأيت تلك المسامير ، قلت : وكيف وجدت صفتها ؟ قال : المسمار صغير برأسين . قلت : هذه الحكاية مشهورة ببغداد ، وقد سمعتها وأنا صبيّ ببغداد ، وهي مستفيضة بين أهلها . قال شيخنا : وحدّثنا أبو عبد اللّه محمد بن الوزير الحراني ، أنه خرج من داره بآمد بعد العصر إلى بستان ، فلما كان قبل غروب الشمس توسّط القبور ، فإذا قبر منها وهو جمرة نار ، مثل كور الحداد : زجاج ، والميت في وسطه ، قال : فجعلت أمسح عيني ، أقول : أنا نائم أم يقظان ، ثم التفت إلى سور المدينة ، فقلت : واللّه ما أنا بنائم ، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش ، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل ، فدخلت البلد وسألت عن صاحب القبر ، فإذا هو مكّاس قد توفي في ذلك اليوم . وأنبأنا الحافظ أبو محمد القاسم بن محمد البرازلي فيما ذكره في ( تاريخه ) ، عن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الصقيل الحراني ، قال : حكى لي عبد الكافي : أنه شهد مرّة جنازة ، فإذا عبد أسود معنا ، فلما صلّى الناس ، لم يصلّ ، فلما حضرنا الدفن نظر إليّ ثم قال : أنا عمله ، ثم ألقى نفسه في القبر ، قال : فنظرت فلم أر شيئا . وأنبأنا محمد بن خليفة ، عن عبد المؤمن بن خلف الحافظ ، قال : سمعت محمد بن إسماعيل هبة اللّه الدمياطي ، يقول : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد اللّه الثعلبي - صاحب السّلفي - يقول : كان عندنا نبّاش يتكفف الناس أعمى ، وكان يقول : من يعطيني شيئا فأخبره بالعجب ، ثم يقول : من يزيدني فأريه العجب ، قال فأعطي شيئا وأنا إلى جانبه أنظره ، فكشف عن عينيه فإذا بهما قد نفذتا إلى قفاه كالأنبوبتين

--> ( 1 ) ص 69 .