عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
44
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
وفي « صحيح البخاري » عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أحبّ لقاء اللّه أحب اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » . فقالت عائشة ، أو بعض أزواجه : إنا نكره الموت . قال : « ليس ذلك ، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان اللّه وكرامته ، فليس شيء أحب إليه مما أمامه ، فأحبّ لقاء اللّه فأحب اللّه لقاءه ، وإنّ الكافر إذا حضر ، بشّر بعذاب اللّه وعقوبته ، فليس شيء أكره إليه مما أمامه ، فكره لقاء اللّه فكره اللّه لقاءه » « 1 » . وقد روي هذا المعنى عن النبي من وجوه متعددة . وعن زاذان ، عن البراء بن عازب ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن نفس المؤمن يقال لها : أخرجي أيتها النفس المطمئنة إلى مغفرة من اللّه ورضوان ، فتسيل كما تسيل القطرة من السقاء . وإن نفس الكافر يقال لها : أخرجي إلى غضب اللّه وسخطه ، فتتفرق في جسده ، وتأبى أن تخرج ، فيجذبونها ، فينقطع معها العروق والعصب » « 2 » . وفي رواية عيسى بن المسيب عن عدي بن ثابت ، عن البراء ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « فتتفرق روحه في جسده ، كراهة أن تخرج لما ترى وتعاين ، فيستخرجها ، كما يستخرج السفود من الصوف المبلول » . [ دلالة القرآن على عذاب القبر ] وقد دلّ القرآن على عذاب القبر في مواضع ، كقوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [ الأنعام : 93 ] . وخرج الترمذي بإسناده ، عن عليّ قال : « ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ « 3 » [ التكاثر : 1 ، 2 ] » . وخرّج ابن حبان في « صحيحه » من حديث حمّاد بن سلمة ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، في قوله سبحانه وتعالى : فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [ طه : 124 ] ، قال : « عذاب القبر » « 4 » .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 6502 ) ومسلم ( 2683 ) . ( 2 ) أخرجه أحمد ( 4 / 287 - 288 ) أو رقم ( 18586 ، 18587 ) وأبو داود ( 3212 ) والنسائي ( 4 / 78 ) وابن ماجة ( 1548 ) وغيرهم - مطولا مختصرا - وانظر « أحكام الجنائز » للألباني ، مسألة رقم ( 105 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 3413 ) وقال : حديث غريب . وضعّف الألباني إسناده في « ضعيف سنن الترمذي » ( 665 ) . ( 4 ) أخرجه ابن حبان في « صحيحه » ( 3119 ) والحاكم ( 1 / 381 ) والبيهقي في « إثبات عذاب القبر » ( 57 ، 58 ) وحسّنه الشيخ الألباني في « صحيح موارد الظمآن » ( 2 / 180 / 1467 ) .