عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
136
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
وما يبكيك ؟ قال : أبكاني كلامه . قلت : ما هو ؟ كنا وقوفا في المقابر ، فأنشدوا : أتيت القبور فاسألنها * أين المعظّم والمحتقر وأين المذل بسلطانه * وأين القويّ إذا ما قدر ففاتوا جميعا فما مخبر * وماتوا جميعا ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا * أمالك فيما ترى معتبر تروح وتغدو وأبلاك الثرى * فتمحوا محاسن تلك الصور وقد روي عن جعفر بن سليمان ، عن مالك بن دينار ، أنه قال : أتيت القبور فناديتها ، فذكر الأبيات الثلاثة ، ثم قال : فهتف بي هاتف : تفانوا هناك فما من مخبر * وبادوا جميعا وباد الخبر فذكر الأبيات الثلاثة أيضا . وروى ابن البراء أيضا ، بإسناده أن قبرا أصيبت عليه هذه الأبيات مكتوبة : الموت أخرجني من دار مملكتي * فالتراب مضجعي من بعد ترفي للّه عبد رأي قبري فأعبره * وخاف من دهره ريب التّصاريفي أستغفر اللّه من جرمي ومن حنقي * وأسأل اللّه فوزي يوم توفيقي هكذا مصير بني الدّنيا وإن نعموا فيها * وغرّهم طول التساويفي وروى ابن أبي الدنيا « 1 » بإسناده له ، أنّه قرأ على قبر بشيراز : ذهب الأحبّة بعد طول تودّد * ونأى المزار فأسلموك واتّشعوا خذلوك أفقر ما تكون بغربة * لم يؤنسوك وكربك لم يدفعوا قضى القضاء وصرت صاحب حفرة * عند الأحبة عرضوا وتصدّعوا وبإسناد له « 2 » ، قال : قرئ على قبر بمقابر البصرة مكتوب : يا غافل القلب عند ذكر المنيّات * عمّا قليل ستثوي بين أموات فاذكر محلّك قبل الحلول به * وتب إلى اللّه من لهو وملذات إن الحمام له وقت إلى أحد * فاذكر مصائب أيام وساعات لا تطمئنّ إلى الدنيا وزينتها * قد حان للموت يا ذا اللبّ أن يأتي وقرئ على قبر آخر : ستعرض عن ذكري وتنسى مودّتي * ويحدث بعدي للخليل خليل
--> ( 1 ) في « القبور » ( 220 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( 221 ) .