عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي
132
أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور
وأكلت أجسادا منعّمة * كان النّعيم يهزّها نضرة لم يبق غير جماجم عريت * بيض تلوح أو أعظم نخرة قال ابن أبي الدنيا « 1 » : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : قال أبو إسحاق : شهدت جنازة رجل من إخواني - منذ خمسين سنة - ، فلمّا دفن وسويّ عليه التراب ، وتفرّق الناس ، جلس إلى بعض تلك القبور ، ففكّرت فيما كانوا فيه من الدنيا ، وانقطاع ذلك كلّه عنهم ، فأنشدت أقول : سلام على أهل القبور الدّوارس * كأنّهم لم يجلسوا في المجالس ولم يشربوا من بارد الماء شربة * ولم يأكلوا من بين رطب ويابس ألا خبّروني أين قبر ذليلكم * وقبر العزيز الباذخ المتمارس وغلبتني عيناي ، فقمت وأنا محزون . قال ابن أبي الدنيا « 2 » : وأنشد الرّياشي رحمه اللّه تعالى ، أبياتا خمسة ، فقال : تهيج منازل الأموات وجدا * ويحدث عن رؤيتها اكتئاب منازل لا تجيبك حين تدعو * وعزّ عليك أنك لا تجاب وكيف يجيب من تدعوه ميّتا * تضمنت الجنادل والتّراب مقيم إلى أن يبعث اللّه خلقه * لقاؤك لا يرجى وأنت قريب تزيد بلى في كل يوم وليلة * وتنسى كما تبلى وأنت حبيب وروى أبو نعيم بإسناد له ، أن داود الطائي ، اجتاز على مقبرة وامرأة عند قبر تقول هذين البيتين ، فسمعها ، فكان ذلك سبب توبته ، يعني سبب انقطاعه عن الدنيا ، وأسبابها ، وانشغاله بالآخرة والاستعداد لها . وسمع بكر العابد امرأة عند قبر تقول : وا عمراه ليت شعري بأي خديك بدأ البلى ، وأي عينيك سالت قبل الأخرى . فخرّ بكر مغشيا عليه . أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ( ذكر الأموات ) . وروى في كتاب ( الخائفين ) ، عن محمد بن الحسين ، عن عبد اللّه بن موسى ، قال : كان الحسن بن صالح إذا صعد المنارة - يعني ليؤذّن - أشرف على المقابر ، فإذا نظر إلى الشمس تمور على القبور صرخ حتى يسقط مغشيا عليه ، فيحمل وينزل به . وشهد يوما جنازة ، فلمّا قرب الميت ليدفن نظر إلى اللحد فارتاع عرقا ، ثم مال ، فغشي عليه ، فحمل على سرير الميت ، فردّ إلى منزله .
--> ( 1 ) المصدر السابق ( رقم : 180 ) . ( 2 ) المصدر السابق ( رقم : 146 ) و « المجالسة » ( 1 / 34 ، 348 ) .